قصة قصيرة بعنوان هل رأى الحب سكارى مثلنا بقلم القاص محمد الطايع

فكر بعقلك فكر بعقلك
random

آخر المواضيع

random
recent
جاري التحميل ...
recent

قصة قصيرة بعنوان هل رأى الحب سكارى مثلنا بقلم القاص محمد الطايع

قصة_قصيرة_ بعنوان_ هل رأى الحب سكارى مثلنا_ بقلم القاص محمد الطايع_رواية_

هل رأى الحب سكارى .. مثلنا .. ؟!

هل رأى ....... ؟!
ثم جنحت الشاحنة على يمين الطريق و تهاوت على جنبها مثل حمار متعب ..
بعد دقائق .. خرج الرجال الثلاثة من جوفها تباعا ، ولم تكن تظهر عليهم سوى بعض الجروح الطفيفة ..
اعتلى عبد السلام الجانب الحديدي المنبعج .. وأطلق ناظريه في اتجاه مدينة فاس ، ثم قال :
- اللعنة سوف أتأخر عن موعد الرهان ..
( عبد السلام .. )


من مشاهير السكر والعربدة ، ورث عن والده ثروة لايستهان بها ، مكنته من أن يقضي عمره في الشرب والليالي الماجنة ، ولولا أن أباه زوجه من عيشة بنت الجبل الطيبة قبل موته ، لكان مايزال أعزبا يصرف العمر في أحضان المومسات ، ولولا أن زوجته أرغمته على أن يكتب البيت باسمها لكان مشردا ، ولولا أن أخاها الأكبر صديقه وصهره عبد الجبار ، أشركه معه في تجارة التوابل في الأسواق لكان انتهى به الأمر للتسول ..
أشعل عبد الجبار سيجارة حشيش وقال :
- علينا أن نركب القطار .. كي نصل إلى فاس في الموعد ..
( عبد الجبار .. )
خمسيني ، يعيش مع زوجته القاسية شهيدة وابنتهما الجميلة سامية ، التي تدرس الأدب الانجليزي في جامعة سيدي محمد بن عبد الله بظهر المهراز ، هذه الفتاة هي مصدر سعادته وفخره الوحيد في حياته التي اتسمت بالإهمال والصعلكة ..
التفت أحمد حوله ببلاهة ثم تساءل :
- وهل نتخلى عن للاعويشة في هذا الخلاء ، دون أن نطلب لها الإسعاف .. ؟!
( أحمد .. )
ثلاثيني ، وحيد ، بلاعائلة ، يسكن غرفة فوق سطح إحدى العمارات بعدوة الأندلس ، ولا شيء يهمه على الإطلاق لا حاضره ولا أمسه ولا غده ..
قال عبد السلام :
- المهم هو ألا نتأخر عن الرهان ..
يقتضي الرهان أن يتبارى عبد السلام مع خصمه جلال ، فيقعدان للشرب دون توقف وإلى أجل مفتوح ، والخاسر هو من يسقط قبل صاحبه ..
الخصم جلال ، رجل سلطة سابق ، طرد من عمله قبل حصوله على التقاعد ، لسوء سمعته وتوالي فضائح الفساد والنصب والاحتيال على المواطنين ، مع استعمال العنف و إدمان السكر العلني ..
بالنسبة لعبد السلام لم يكن هذا الرهان مجرد فعل طائش أو استعراض للعضلات ، لكنه يعتبره الطقس المناسب للاحتفال بعيد مولده الأربعين ، لذلك قرر أن يخوض هذا التحدي مهما كلفه ، محاولة منه لإعطاء حياته قيمة ، تلك الحياة التي لاشيء يميزها سوى زواجه من عيشة المرأة الصبورة التي سمى الشاحنة على اسمها وله منها طفلين جميلين ، يكرهان الذهاب للمدرسة ..
حين حضر رجال الدرك لمعاينة الشاحنة المتخلى عنها ، بصعوبة شديدة تمكنوا من خلال استفسارهم للسائقين الذين توقفوا على مقربة منها ، من معرفة أي المجانين الثلاثة كان يسوق الشاحنة المحملة بالبهارات ، وأيهم مالكها ..

قرابة الفجر بقليل ، كان الأصدقاء المجانين قد دخلوا المدينة منكهين ، بعدما استقلوا القطار ، ثم تفرقوا أمام بوابة المدينة الشهيرة ( باب الفتوح ) ..
إنها صبيحة الجمعة ، أفافت عيشة باكرا أعدت وجبة الإفطار ، وبينما شرعت تتوسل طفليها أن يذهبا للمدرسة ، حضر زوجها عبد السلام مترنحا ، ثم توجه مباشرة نحو الخزانة ، اعترضت عيشة سبيله تسأله :
- ماهذا الجرح في جبهتك .. ؟!
أزاحها عن طريقه بلطف ، ثم دس أصابعه بين الملابس أعلى رفوف الخزانة و أخرج كومة نقود ، وقال :

- الرهان ، لابد أن أكسب الرهان ..
عند الظهيرة ، دخل أحمد إحدى مقاهي باب الفتوح ، وجلس قبالة السينما يتأمل آفيشات الأفلام ، وحين سأله النادل العجوز المهمل الشكل كحال المقهى ، عن سوق الخميس ، إن كان ثمة رواج ، تبسم أحمد وقال :
- حتى لو ربحت مليون في ذلك السوق اللعين لن تسمح لك العاهرات هناك من أن تعود بما يكفي لوجبة عشاء واحدة ..
ضحك النادل ، ثم سأله عن صاحبيه ، عبد السلام وعبد الجبار ، فأخبره أنه لم يبصرهما منذ انقلبت بهم الشاحنة ، وأنهم قد حملوا عبد السلام إلى المستشفى جثة هامدة ، دهش النادل وقال مستغربا :
- هل انقلبت اللا عويشة مرة أخرى ؟! ..
لم تمض سوى لحظات حتى تداول رواد المقهى خبر موت أشهر سكير في المدينة ، وكان أحمد يتلذذ بكذبته وهو يتابع بداية انتشار الاشاعة التي سرت بين الناس مسرى النار في كومة تبن ..
عند باب بيته وجد عبد الجبار ابنته سامية تجلس باكية على إحدى أدرج العمارة ، فجلس بجوارها ثم سألها :
- مالذي يبكيك يابنت المجنونة ؟
نظرت إليه بامتعاض وقالت :
- هل حقيقة أنا لست ابنتكم ؟
لم تظهر على وجهه الذي اتلف الخمر ثلثي ملامحه ، أي علامات استغراب ، ثم سألها وهو يلف كتفيها بذراعه مبتسما :
- من أخبرك بهذا ؟
- إنها أمي ، قالت أنكما وجدتماني في صندوق القمامة ..
رفع عبد الجبار ناظريه نحو السقف وبعد تفكير قليل نظر إليها نظرة جادة لم تخلو من لطف وقال :
- أيتها الغبية ، وهل يعثر الناس على مثل هذا الجمال الساحر في صناديق القمامة ؟ !
دس في كفها أوراقا نقدية ثم قبلها على جبينها ، وقال :
- استمتعي بحياتك يا أميرتي ودعي عنك الفلسفة ، ولنفترض أنك ابنة وزير ، هل يغير ذلك من طعم الحياة شيئا ؟ المهم هو الحب ، لاشيء يهم سوى الحب ..
تبسمت في وجهه وقالت :
- نعم أيها السكير الطيب ، الله يعفو عليك ، لا أظن بأنني كنت سأكون أكثر حظا لو كان أبي رجلا آخرا غيرك ..
قبلته على خده وغادرت البيت ، بينما تحامل على نفسه للوقوف بصعوبة ..
توجه صوب باب الشقة و ضغط على الجرس بقوة وحين فتحت الباب زوجته ، صاح بها :
- اللعنة عليك يا شهيدة ، لماذا تعقدين الفتاة بكلماتك المسمومة ؟
ردت عليه باستعلاء :
- أين تأخرت ؟ ألا تعرف أنني مدعوة لعرس ابنة خالتي وأريد نقودا ..؟!
- أيتها الجاهلة ، ألم أنصحك مرارا بمشاهدة الأخبار بدل التفرج على تلك المسلسلات الغرامية التي لا تشبهين بطلاتها ، كم مرة أخبرتك أنهم ينقلون أخبار الحروب والزلازل من أجل أمثالك فقط ، فلماذا تشعرينهم بالخيبة ..
قاطعته بغضب :
- اختصر كلامك ..
- لو كنت تشاهدين قناة الجزيرة لعرفت أن للاعويشة ( دارتها بنا ) مرة أخرى .. لكن لاتخافي ، مازال عندي مايكفيك لحضور عرس قريبتك العاهرة ..
وبينما كان أحمد يحتسي فنجان قهوته ، دخل المقهى الكوميسير السابق ( جلال ) ومعه ثلة من رفاق السوء ، وحين رأى أحمد اقترب منه وسأله بلهجة ساخرة :
- متى سيدفنون صاحبك ؟ إلى جهنم وبئس المصير ..
قال أحمد متبسما بخبث ..
- سوف يلتحق بنا عبد الحبار بعد العصر ، الله يرحم أخي عبد السلام لو كان حيا لجعلك تبول في سروالك ..
ضحك جلال ، وقال :
- أيها اللعين صاحبك ميت وهذه وقفة صلاة الجمعة ومع ذلك أنت سكران ..
رد عليه أحمد :
- أليس من الواجب أن تكون أنت الآن في المسجد تستغفر لذنوبك ، وما سلبته من حقوق المواطنين أيام كنت في الشرطة ، أم أنك ولي الله الذي ينتقل بقدرة قادر من الإسراف إلى المغفرة ؟!
قال جلال :
- ومتى كان الشيطان يأمر بالمعروف ؟
أجابه أحمد :
- هل تتحدث عني أم تتحدث عن نفسك ؟
لم يشعر أحمد إلا وقد انهال عليه جلال ورفاقه باللكم والصفع أمام أنظار الناس ..
عند العصر ، حضر عبد السلام ، وتأخر عبد الجبار عن موعد صاحبيه ، وحين جلس عبد السلام قبالة أحمد ، لاحظ التورم على خديه ، فسأله :

- ماهذه الكدمات على وجهك ؟ 

 للكاتب ايضا: قراءة في نقد الخطاب القصصي للرجل الخفاش

                   قراءة في قصيدة قاب قوسين او ادنى

حاول أحمد أن يموه عليه :
- ايها السكير هل نسيت بأن للاعويشة انقلبت بنا فجر اليوم ؟
- لا ، لازلت أتذكر ، فلم يحن الوقت بعد لأنسى احداث هذا الأسبوع ، لكن وجهك تعرض للكم ، اللعنة على ابن المسعورة ، ماكان عليه أن يضربك سوف أقتله اليوم ..
قفز عبد السلام من مكانه وتبعه أحمد يتوسله أن يتوقف ، وما إن وقفا على الرصيف وعبد السلام يلوح لسيارات الأجرة ، حتى توقفت أمامهما سيارة مرسيديس قديمة ومتآكلة ، ولم يكن السائق سوى عبد الجبار ..
قال أحمد وهو يرتمي في المقاعد الخلفية
- من أين لك هذا ؟
قال عبد الجبار - هذا من فضل ربي ..
قال عبد السلام - هل أصبحت سمسار خردة ..؟!
ضحك عبد الجبار ثم فتح صندوق الكرتون المليء بزجاجات الخمر مثيرا شهية صاحبيه وهو يدندن :

- اسقيني واشرب على أطلاله ..
هتف صاحباه بلهفة طفلين ، ثم تخطفا زجاجات البيرة وشرعا في عبها كالبعير ..
تعالت ضحكات الثلاثة ثم واصلوا الشرب ..
بعد نصف ساعة ، دخل الثلاثة إحدى مقاهي شارع النخيل ، ثم اقتربوا من مائدة جلال الشيخ المتصابي وكأنهم يعتلون ظهر سفينة ترجها الأمواج العاتية ، كان جلال ينظر إليهم نظرة الواثق من نفسه ، معتدا بمن حوله من السفهاء ..
أخرج عبد السلام رزمة نقود ووضعها أمامه على المنضدة ..
قال جلال :
- ماهذا أما زلت حيا .. ؟! عمرك طويل مثل عمر الكلب .
علق أحمد قائلا :
- دقت ساعة الحقيقة أيها الخرف ..
بعد أقل من ساعة ، التم عدد كبير من مشاهير سكارى مدينة فاس الغراء ، أثرياء وفقراء مثقفين وأصحاب سوابق ، ( أنا أيضا كنت حاضرا ، بدعوة من عبد السلام شخصيا ، لم أكن لأفوت هذا النزال التاريخي ) ..
ثم انطلق عداد النزال بين الرجلين فكان أن استمر ثلاثة أيام متتابعة ، فكان البطلان وجمهورهما ومشجعيهما ، يضطرون للانتقال من حانة إلى أخرى ومن منزل إلى آخر ، فقد كانت شروط النزال ، تمنع عليهما النوم طوال مدة الشرب ، فكان المتتبعون يتناوبون على مهمة المراقبة والتحكيم ..
فعلا استمر الرجلان في الشرب ثلاث أيام بلياليها ، ولم يكن عبد السلام يعتمد في التحلية إلا على حبات زيتون مملحة ، بينما كان خصمه يتناول السمك ، المكسرات والفواكه وهو الرجل الأسطورة الذي شاع بين أهل المجون أنه لم يكن ينام أسبوعا كاملا ..

وعلى مبعدة دقائق من أذان فجر يوم الإثنين ، سقط جلال مغميا عليه ، بينما لم يفرح عبد السلام و صديقيه بالمليون الذي ربحوه ، أكثر من فرحتهم بصاحبهم الذي حافظ على لقبه الذائع الصيت ، بأنه أكبر سكير في المدينة العلمية ..

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

تابعونا لتتوصل بجديد المدونة

Follow by Email

جميع الحقوق محفوظة

فكر بعقلك

2016