( الجوكر في حكاية أخرى ) قصة قصيرة بقلم القاص محمد الطايع

فكر بعقلك فكر بعقلك
random

آخر المواضيع

random
recent
جاري التحميل ...
recent

( الجوكر في حكاية أخرى ) قصة قصيرة بقلم القاص محمد الطايع

( الجوكر في حكاية أخرى )

( الجوكر في حكاية أخرى )

قصة قصيرة ..

خمس سنوات مرت في مصنع صغير للخياطة ، عدد المعلمين الأساسيين عشرون شخصا ، وعدد المساعدين سبع فتيات و خمس ذكور جلهم دون سن العشرين ، إضافة إلى المعلم عبد السلام الأربعيني الوقور ذو الشعر الأصفر والملامح المغربية الاصيلة رجل لاتملك إلا أن تحبه لشدة لباقته وسرعة بديهته وقلة كلامه وعمق حكمته ، وكذا مساعدَتُه هاجر التي تقاسمه الكثير من الصفات خاصة المكتسب منها ، فكانا معا هما المختصان بمهمة ( الفصالة ) وهما أيضا من يسجلان في دفاتر المصنع كل ما يتعلق بالانتاج والسلع الواردة وعدد ساعات العمل ..
طوال الخمس سنوات ، كان الجميع أشبه بأفراد عائلة واحدة ، لا أسرار يخفونها عن بعضهم ، ولا أحد يطمح في إيجاد عمل بديل في أي مصنع آخر ، فقد كان جو العمل مريحا لايخلو من ألفة و ضحك وثرثرة و رقص واستماع للموسيقى ، قبل وغراميات معلنة وأخرى مختسلة ، لم يخلو أيضا من بعض الخصومات الصغيرة التي تنتهي بالصلح العاجل ، فمثلما كانت هناك أيام ركود يتعاون خلالها الفرد مع الجماعة والجماعة مع الفرد بكل أشكال المؤازرة المتاحة ، كانت هناك أيضا أيام فرح وسعادة ، يتحول المصنع خلالها إلى قاعة احتفال بهيجة ..
رب المصنع لم يكن يختلط كثيرا بالعمال ، لكن ولأن شقته كانت في الطابق الأول من نفس العمارة ، فإنه لم يبخل على أحد بالإكراميات و الحوافز ، حتى النكت والدعابات البريئة ، رجل أقل مايقال عنه لطيف ، يسهل التعلق به وذاك أنه من الصعب مقارنته بأرباب مصانع أخرى ، قساة متكبرون وأصواتهم مرتفعة ، فلن ترى الرجل في جل أوقاته إلا مطأطأ الرأس تعلو خديه حمرة حياء طفولية ، حتى إذا رأيت شاربيه الرقيقين اعتقدت أنه فنانا وليس حرفيا ، وكانت زوجته السمراء الممتلئة التي لا تسمع منها إلا طيب الكلام تعد للعمال وباستمرار أطباقا مختلفة من الطعام الشهي ، بمناسبة و بغير مناسبة ، أما كسكس يوم الجمعة فإنه وليمة دائمة ، وكانت كلما أحضرته بنفسها ، تدعو للجميع بالصحة والهناء ، مما جعل مكانتها في نفوسهم كمكانة الام والأخت العزيزة ..
كل هذا جيد ، لكن لاحال يدوم كما هو معلوم ، فقد حدث أن وقف أمامنا ذات يوم السي محمد صاحب المصنع وبرفقته رجل أبيض غبي الملامح على وجهه آثار إدمان سابق ، بطيء الحركة ، قصير القامة يصعب تحديد سنه إن كان في الثلاثين أو الأربعين ، نصف شعر رأسه يغزوه الشيب ، و الإبتسامة لا تغادر وجهه كأنه الجوكر عدو باتمان لكن دون أصباغ ..
أخبرنا المعلم محمد ، أن هذا الرجل وابتداء من اليوم ، سوف يكون رئيسنا وأن علينا طاعته واحترامه ، وتنفيذ أوامره ، فما كان منا سوى السمع والطاعة ، وكنا لانعرف كيف نعترض أو نناقش أي أمر يصدر عن ولي نعمتنا الذي لم يسبق له أن ظلم أحدنا ..
في الأيام الأولى لتواجده بيننا اكتفى ( الجوكر )
بالصمت والمشاهدة ، فكنا نسخر منه وقد تأكدنا أنه لايفقه شيئا في مهنتنا خاصة صديقي عبد الغني الفتى النحيف المشاغب الذي لم يعرف كيف يتخلص من لهجته القروية المضحكة ، فكان يخاطبني قائلا :
- أحضر لعمنا الجوكر صفحة السودوكو والكلمات المتقاطعة ..
نطقه لكلمة سودوكو التي لايعرف عنها شيئا سوى شكواي الدائمة منها في المقهى ، يجعل شفاهه تتمطط مثل اسماعيل ياسين مما يدفعني للضحك بشكل هستيري ، لكن مع كل هذا لم يكن يبدو على الجوكر أي انزعاج حتى عندما تفضحه نظراته الزائغة وقد عرف أن شخصه الكريم هو موضوع تهامسنا وضحكنا ، فلقد كان لديه إصرار عجيب على ألا ينزع عن وجهه تلك الإبتسامة الميتة ، كثيرا ما تساءلنا ما الذي يتقنه هذا البائس غير ثقل الدم وبرودة الطبع وبلادة الحضور ..

كان كلما صادف تلاقي النظرات منا ، يكتفي بالابتسام ، وإن حدث أن اقترب من أحدنا ووقف عند رأسه وهو منهمك في شغله ، يرفع العامل وجهه مستطلعا ، فيغمره ( الجوكر ) بابتساماته المجانية الغامضة ، فيتم تأجيل الظنون السيئة الى وقت لاحق ..
فيما بعد ونحن نجلس في المقهى كعادتنا كل صباح ، همس لنا المعلم عبد السلام ، أنه ليس مرتاحا لأسلوب ( الجوكر ) وكيف أنه يسأل عن أشياء بديهية ، مما يجعله يتوقع أنها مجرد أسئلة غير مقصودة لذاتها ، فلابد أن الرجل يخطط لأمر ما بالغ الخسة والنذالة ..
مع الوقت بدأنا نلاحظ الكثير من التغيير ، فلقد غابت عنا تلك الأطباق الشهية التي كانت تعدها لنا الاخت بهيجة زوجة المعلم محمد ، وأيضا ما عادت بناته " نادية وسهيلة " تأتين للدردشة وإضاعة الوقت بصحبتنا ، ثم لاحظنا أن المعلم محمد لم يعد يمازحنا كعادته ، وحين أسمعتنا شادية نكتة عن جحا وحماره ، تقدم منها الجوكر بكل هدوء وسألها :
- ما الذي تفعلينه ؟
قالت وأثر الضحك لم يبرح بعد عرض وجهها :
- أنتظر أن يفرغ الشباب من إنهاء الوزرات لكي أقوم بتنقيتها ..
قال :
- أولا ليس من اللائق إلقاء النكت في مكان عمل محترم ، ثانيا أنت تشغلين الشباب عن تركيزهم ، ثالثا بإمكانك الآن أن تذهبي لكيّ الياقات التي سيحتاجونها في المساء ..
قالت شادية بلغة الواثقة من نفسها :
- لقد قمت بهذا العمل صباحا وقد راكمت عليهم ما يكفي ..
لست أدري كيف أمكن للجوكر ، أن يرد عليها بابتسامة سخيفة جدا ، مع أن كل ابتساماته تشبه بعضها ..

في صبيحة يوم الجمعة اللاحق ، قام الجوكر بانتزاع شريط غنائي شغلته شادية ، ثم وضع بدلا عنه شريطا آخر فإذا هو تسجيل قرآني ، فلم نعترض نظرا لقداسة الإختيار ..
هكذا أصبحنا لا نسمع إلا أشرطة القرآن ، ولم نكن نجرؤ على الاعتراض .. ثم ما لبث أن خيمت على الرؤوس سحابة من الجدية ، فاختفى جو المرح والضحك ، فإذا نحن في جل الأوقات صامتين ..
ذات مساء وأنا أغادر الورشة ، رأيت الأشرطة الغنائية قد كسرت جميعها وألقيت في صندوق القمامة .. أغضبني هذا الأمر لأنه كانت ضمنها أشرطة ملكي أنا وكنت أعتقد أنها محفوظة من التلف و أنها آمنة ، التفت يمنة ويسرة أبحث عمن أستفسره ، فإذا بي أسمع صوت شادية تبكي داخل مكتب المعلم محمد ، وحين طرقت الباب ، فتح لي الجوكر مبتسما ، ثم قال :
- ماذا تريد ؟
لم يعجبني أسلوبه فمتى كنت ملزما بشرح أسباب دخولي إلى المكتب ..
قلت موجها كلامي للمعلم محمد
- السي محمد ، أحدهم كسر أشرطتي ..
نظر إلي المعلم محمد من فوق نظارتيه وقال مخاطبا شادية :
- خذي ..
تسملت شادية منه بضعة أوراق نقدية وهي تبكي .. فلم أجد بدا من أن التزم الصمت ، وحين غادرت تبعتها ، فإذا هي تسب الجوكر اللعين ..
- ما الذي حدث ؟ أخبريني ..
وهي تبكي دون توقف ، رفعت كفيها للسماء وقالت :
- يا ربي الحبيب ، أنا يتيمة ومقهورة ، ياربي خذ لي حقي من ذاك ( الجوكر المسخوط )

كانت آخر مرة أرى خلالها وجه شادية الابيض الجميل والذي كان بالإمكان أن يكون فاتنا لولا بعض لمسات الفقر والحرمان التي حرمتها من أن تكون فاتنة ..
بعد أسبوع دعاني عبد السلام لجلسة المقهى الصباحية ، ثم أخبرني أن قد حان وقت فراقنا ، وحين سألته ، أخبرني بأنه قد وجد عملا أفضل هو و هاجر ..
لم تمض سوى ثلاثة أشهر ، حتى وجدت نفسي محاطا بجماعة من العمال الجدد ، فأدركت أن أصدقائي قد تم التخلص منهم واحدا واحدا ، وأنه لا أحد تبقى من تشكيلة الأمس إلا أنا ..
بديعة الأرملة المكافحة اتهمت بالسرقة ، جمال المتدين طرد بسبب غيابه المتكرر ، عبد العالي الأسمر أفسد بذلتين ، إدريس الفيلسوف نمام ، وسعيدة الأنيقة تنام في أوقات العمل ، وعبد الغني ثرثار كبير ..
في آخر يوم لي هناك ، تذكرت وأنا في المقهى المجاور غرابة ما يحدث ، فلقد وجدت التهم باطلة ، لأن بديعة كانت أكثرنا أمانة ، جمال هو الشخص الذي لايغيب إطلاقا ، عبد العالي أكثرنا مهارة ، إدريس الفيلسوف أشبه بالفرسان النبلاء ، سعيدة الأنيقة كانت تسخر منا حين يغلب أحدنا النوم فترش وجوهنا بالماء البارد أيام كنا نعمل ليل نهار بشكل شبه دائم ، فلم نكن نتذوق طعم النوم إلا قليلا ، و السبب طيبوبة المعلم محمد وكرمه ، صفاته تلك كانت تحول دون رفضنا مساعدته في الأوقات الحرجة ، أما أن تكون تهمة عبد الغني الثرثرة ، فإن المعلم محمد شخصيا كان يمتدحه ويقول :
- أحب هذا الفتى الثرثار .. ( للي فقلبو على لسانو )
وأنا أقلب القصة من جميع نواحيها ، توصلت إلى أنه من الواجب أن أغادر أنا أيضا ، وأن الله هو الرزاق الكريم .. لكن و لكي أتأكد مما راودني من شك ، توجهت إلى بيت المعلم محمد ، صافحته عند الباب وأخبرته أن أمي مريضة ، وأني أحتاج إلى سلفة ، تأسف الرجل بشدة وأخبرني أن الوضع المالي عنده متأزم جدا ، وبعد شهرين فتح ثلاث مصانع أخرى مشابهة ، وبينما ظل جميع العمال السابقين يعتبرونه رجلا طيبا ، سألت أحد معارفي عن مكان الجوكر فدلني عليه ، حين جلست بجوار الجوكر وجدته غارقا في حزنه الشديد ، قيل لي أنه لايغادر هذا المقهي الشعبي المهمل ، سلمت عليه وسألته عن أحواله ، فأدركت أنه شخص تافه جدا وأن حاله يدعو للشفقة ، لكن الغريب طبعا أن ابتسامته البلهاء لا تفارق محياه ، حتى وهو يخبرني أنه لحد الساعة لم يفهم ما الذي كان يريده منه المعلم محمد تحديدا ، حين طلب منه أن يشتغل معه رئيسا على العمال ، دون أن يكلفه بأية مهمة واضحة ..
قال الجوكر ، يعاتب المعلم محمد :
- أنت لم تخبرني بما يجب أن أفعله أصلا حتى تتهمني بأني لست جادا في عملي ..
قال المعلم محمد للجوكر بقسوة ووقاحة :

- الوضع الوحيد الذي يناسبك هي حياة التسول التي كنت تعيشها أيها التافه ..
ثم طرده مثل الكلب ..
الشيء الوحيد الذي بت متأكدا منه أن الجوكر المسكين كان يبكي ساعتها لكن دون أن تختفي عن وجهه البائس تلك الإبتسامة ..

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

تابعونا لتتوصل بجديد المدونة

Follow by Email

جميع الحقوق محفوظة

فكر بعقلك

2016